فخر الدين الرازي
7
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
وقال تعالى : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أَ تَتَّخِذُنا هُزُواً قالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ [ البقرة : 67 ] وقد يقول السيد لعبده حال ما يذمه على فعل : يا جاهل لم فعلت كذا وكذا ، والسبب في إطلاق اسم الجاهل على العاصي لربه أنه لو استعمل ما معه من العلم بالثواب والعقاب لما أقدم على المعصية ، فلما لم يستعمل ذلك العلم صار كأنه لا علم له ، فعلى هذا الطريق سمي العاصي لربه جاهلا ، وعلى هذا الوجه يدخل فيه المعصية سواء أتى بها الإنسان مع العلم بكونها معصية أو مع الجهل بذلك . والوجه الثاني : في تفسير الجهالة : أن يأتي الإنسان بالمعصية مع العلم بكونها معصية إلا أن يكون جاهلا بقدر عقابه ، وقد علمنا أن الإنسان إذا أقدم على ما لا ينبغي مع العلم بأنه مما لا ينبغي إلا أنه لا يعلم مقدار ما يحصل في عاقبته من الآفات ، فإنه يصح أن يقال على سبيل المجاز : انه جاهل بفعله . والوجه الثالث : أن يكون المراد منه أن يأتي الإنسان بالمعصية مع أنه لا يعلم كونه معصية لكن بشرط أن يكون متمكنا من العلم بكونه معصية ، فإنه على هذا التقدير يستحق العقاب ، ولهذا / المعنى أجمعنا على أن اليهودي يستحق على يهوديته العقاب ، وإن كان لا يعلم كون اليهودية معصية ، إلا أنه لما كان متمكنا من تحصيل العلم بكون اليهودية ذنبا ومعصية ، كفى ذلك في ثبوت استحقاق العقاب ، ويخرج عما ذكرنا النائم والساهي ، فإنه أتى بالقبيح ولكنه ما كان متمكنا من العلم بكونه قبيحا ، وهذا القول راجح على غيره من حيث أن لفظ الجهالة في الوجهين الأولين محمول على المجاز ، وفي هذا الوجه على الحقيقة ، إلا أن على هذا الوجه لا يدخل تحت الآية إلا من عمل القبيح وهو لا يعلم قبحه ، أما المتعمد فإنه لا يكون داخلا تحت الآية ، وإنما يعرف حاله بطريق القياس وهو أنه لما كانت التوبة على هذا الجاهل واجبة ، فلأن تكون واجبة على العامد كان ذلك أولى ، فهذا هو الكلام في الشرط الأول من شرائط التوبة ، وأما الشرط الثاني فهو قوله : ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ وقد أجمعوا على أن المراد من هذا القرب حضور زمان الموت ومعاينة أهواله ، وإنما سمى تعالى هذه المدة قريبة لوجوه : أحدها : أن الأجل آت وكل ما هو آت قريب . وثانيها : للتنبيه على أن مدة عمر الإنسان وإن طالت فهي قليلة قريبة فإنها محفوفة بطرفي الأزل والأبد ، فإذا قسمت مدة عمرك إلى ما على طرفيها صار كالعدم . وثالثها : أن الإنسان يتوقع في كل لحظة نزول الموت به ، وما هذا حاله فإنه يوصف بالقرب . فإن قيل : ما معنى « من » في قوله : مِنْ قَرِيبٍ . الجواب : أنه لابتداء الغاية ، أي يجعل مبتدأ توبته زمانا قريبا من المعصية لئلا يقع في زمرة المصرين ، فأما من تاب بعد المعصية بزمان بعيد وقبل الموت بزمان بعيد فإنه يكون خارجا عن المخصوصين بكرامة حتم قبول التوبة على اللَّه بقوله : إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ وبقوله : فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ومن لم تقع توبته على هذا الوجه فإنه يكفيه أن يكون من جملة الموعودين بكلمة « عسى » في قوله : عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ [ التوبة : 102 ] ولا شك أن بين الدرجتين من التفاوت ما لا يخفى . وقيل : معناه التبعيض ، أي يتوبون بعض زمان قريب ، كأنه تعالى سمى ما بين وجود المعصية وبين حضور الموت زمانا قريبا ، ففي أي جزء من أجزاء هذا الزمان أتى بالتوبة فهو تائب من قريب ، وإلا فهو تائب من بعيد . واعلم أنه تعالى لما ذكر هذين الشرطين قال : فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ .